الجمعة، 7 أكتوبر، 2016

رأيت المجهول....


بقلم عميد / ثروت عبدالحميد

....
وضعت حرب أكتوبر عام 73 أوزارها وبدأ عودة الابطال الى أهاليهم ، كنا أطفال صغار وشهادنا حفاوة الاستقبال بين أمل ذويهم بعودتهم أحياء واليأس من الأخبار المتواليه من أستشهاد الكثير فكان الفرح كبير وتتوافد الوفود للمهنئين وعلى الجانب الآخر نرى بيوتا تقام بها مآتم عزاء للشهداء وبعد حين عرف موقف من شاركوا فى الحرب، عدا بيت واحد هو بيت الجندى/ عبد اللطيف ذاك الفتى اليافع الذى كنا كان مثلا للرجولة وكثيرا ما كان يداعبنا ونحبه ونحترمه بزيه العسكرى لم يعود الى بيته
كانت أمه صديقة لأمى وكثيرا ماكنت اراهم يبكيان لعدم عودة عبد اللطيف وان الجيش افادها بأنه مفقود ويعتبر شهيد وسوف تتقاضى معاش لذلك
وتمر السنون وفى كل لقاء لام عبد اللطيف وأمى أراهن تبكيان عبد اللطيف وكنت اسأل أمى لما كل هذا وقد عرف الامر فقالت لى أمى ان أم عبد اللطيف تصر أنه مازال حيا وأنه سوف يعود حتما ذات يوم وانها ترفض تماما أى كلام غير ذلك وأنها تحترم مشاعرها وتقول لى ان هذا قلب الأم فسألتها ولماذا تشاريكيها البكاء فقالت لى أن اعز ما تملكه الأم هو أبناءها وأن لى أخ قد مات صغيرا ولم تنساه رغم مرور السنوات الطوال وتبكيه دائما عند ذكره ،قلب الام يابنى وأنها تعلم ما تعانيه هذه السيدة وتشاركها هذا الشعور وكثيرا ما كانت تجد سلوها عند أمى.
صار فى نفسى سؤال يظل يلازمنى أين ذهب عبد اللطيف ؟ أيكون حيا فى الأسر فى السجون الإسرائيلية ؟ ايكون مات ودفن فى مقابر الجندى المجهول ؟ أيكون أستشهد فى صحراء سيناء وتناثرت أشلاءة نتيجة نيران القذائف والمفرقعات؟
وتمر الأيام والسنون وكبرنا ولم يكبر عبد اللطيف ولم يفارقنى هذا السؤال والتحقت بالخدمة بالقوات المسلحة وعينت قائدا لأحدى وحدات إزالة الألغام بسيناء الحبيبة وكم كنت سعيدا للمشاركة فى معركة جديدة تسمى حرب الألغام نتطهر الأرض من المخاطر ونعدها لتنفيذ خطة تنمية الدولة ... سعيدا بالتجول فى أرض الأمجاد لما كنا نشاهدة من أثار حرب العزة برؤية عسكرية متخصصة وكثيرا ما كنا تقف طويلا لما شاهدناه من معجزات العبور الواصحة من أثار خط بارليف والنقط الحصينة والتجهيزات الهندسية لرؤس الكبارى ....إلخ
وفى احد ليالى اكتوبر عام 1996 جاءت التعليمات للوحدة بتطهير احد مواقع فى منطقة مرور ترعة السلام بشرق القناه . اصدرت اوامرى لتنفيذ المهمة والإعداد والتجهيز للتحرك مع أول ضوء اليوم التالى
تم الوصول للموقع فى التوقيت المحدد وبدأ العمل وتم تجميع العديد من مخلفات الحرب والتخلص منها بالتفجير وسلمنا الموقع للجهة القائمة بالحفر . وبدأت المعدات بالعمل وتجمع الجنود لصلاة الظهر قبل العودة للوحدة ووقف الجندى مينا والجندى جرجس حرس على العربات والمهمات لحين الانتهاء من الصلاة وفجأة سمعت الجندى مينا أثناء الصلاة ينادى سائق الحفار بالتوقف عن العمل ووجدته بجانبى بعد الانتهاء من الصلاة ويقول ياافندم فيه هيكل عظمى لانسان ظهر اثناء الحفر فتحركنا الى المكان وكان الوضع كالآتي هيكل عظمى لجندى واقف مستندا على جانب الحفر وبقايا من افرول كاكى وبيادة فى قدمه ولم يتم العثور على القرص المعدنى أو أى شئ يثبت شخصيته قمنا بجمع عظامه وابلغت للقيادة بالموقف وصدرت التعليمات بالدفن فى مقابر الجندى المجهول بقيادة الجيش ،صلينا عليه الجنازة وحملنا رفاته فى إجلال وتعظيم الى المقابر فى مشهد لن أنساه ،واثناء عودتنا تذكرت سؤال الصبا القديم وتذكرت الجندى عبد اللطيف وأمه فقررت ان أستثمر هذ الموضوع فى رفع الروح المعنوية للضباط وضباط الصف والجنود تحت قيادتى كأحد أهم بنود رفع الكفاءة القتالية للوحدة فاعلنت لهم انى عرفت هذا الجندى وعرفت قصته وسوف اخبرهم بها فى لقاؤنا الاسبوعى وفى قرارة نفسى ان اترك لهم وقت للتكهنات والتوقعات حتى يكون تصحيح المعلومات ذو اثر لا ينسوه بعد الانتظار والتشوق لسماع القصة.
وجاء يوم اللقاء الأسبوعي ورأيت فى عيونهم شوق الانتظار ورغبة المعرفة فبدأت بالتوجيهات العامة وعرض المشاكل وحلها وخطة العمل بالاسبوع القادم وخلافة أولا ثم قمت باستعراض قصة الجندى عبد اللطيف وأمه ثم قمت بشرح قصة الهيكل العظمى الذى وجدناه وان هذا الموقع كان احد الخطوط الدافعية لرأس كوبرى للقوات التى اقتحمت القناة فى هذا الموقع وكان هذ الجندى يدافع من خلال الحفرة البرميلية اما ظروف موته قد تكون بسبب الموجة الإنفجارية لإحدى قنابل طائرات العدو أو قذيفة مدفعية وخاصة ان الهيكل العظمى كامل أو تكون سقطت بجانبه وإنهالت الرمال عليه وواستشهد غارقا فى الرمال ومن المؤكد انه استشهد فى هذا الموقع كثير من زملائه فسأل جندى هل يا افندم هذا الهيكل العظمى للجندى عبد اللطيف فقلت له الله اعلم ولكن اقول انه قد يكون للجندى سعيد أو محمد أو على أى اسم لانعرفه ولكن هذا الجندى ظل واقفا حارسا لمدة 23 عام لهذا الموقع حتى يأتى اليوم لتمر مكانه مياه النيل الى سيناء ماأعظم هذا الجندى الذى كانت له احلام وكان له اب وام واهل ينتظرون عودته ،ما أعظم هذا الجندى الذى لم ينتظر تكريم من أحد ومات شهيدا وحيدا فى هذة الصحراء ليرفع بعدها كل انسان عربى هامته بعد زل الهزيمة، ثم صمت برهه من الوقت بعد ان رأيت فى عيونهم التأثر البالغ واتجه الحديث الى شجون مفرط فسألت أن يدلنى أحد من يكون اسم هذا الجندى وله منى مكافأء فهتف الجميع فى وقت واحد أنه الجندى المجهول فهتفت وقلت وانا من اليوم أخذت مثلى الأعلى هو الجندى المجهول لعظمته وشرفه والذى لاينتظر أجرا ولاتكريما من احد سوى رب العالمين فقالوا لسنا اقل من سيادتكم نحن جنود مجهولين ولا نريد المكافأة التى وعدتنا بها ......اصبح الحماس والرجولة سمه عامة بالوحدة منذ ذلك اليوم ويتبارى الرجال فى تنفيذ المهام دون انتظار شكر وتقدير او مكافأة...
رحم الله الجندى المجهول رحم الله الجندى عبد اللطيف الذى اظنه مازال حارسا فى احد المواقع حتى اليوم رحم الله كل ام الشهيد

إرسال تعليق

رياضة

فنون

تكنولوجيا

 
copyright © 2014 جريدة إرادة شعب مصر | تصدر عن مؤسسة إرادة شعب مصر