الأربعاء، 2 نوفمبر، 2016

رأيت جمال عبد الناصر عايش فى حلايب و شلاتين



بقلم عميد/ ثروت عبدالحميد
..................................
التوقيت مايو ١٩٩٣ أثناء تنفيذ التجهيز الهندسى للخطوط الدفاعية بمنطقة حلايب وشلاتين دون النظر للظروف الجوية الصعبة من إرتفاع درجة الحرارة والعواصف الترابية دائما ما تسقط من حسابنا كعسكريين من مبدأ أن ظروف المعركة ليست من إختيار المقاتل ... وكان يسبق أعمال التجهيز الهندسى أعمال إستطلاع شاقة جدا تتمثل فى دراسة الأرض وطرق الاقتراب والهيئات الحاكمة و......(يعلم الباقى الزملاء من ابناء القوات المسلحة ) فكان يصحب ذلك إجراء إستطلاع بعيد المدى خلال المنطقة الجبلية الوعرة لتحقيق الدراسة الهندسية الجيدة للأرض... وكانت التعليمات تلبية مطالب البدو والرحل فى هذة المناطق المحرومة من خدمات ويصعب تقديمها بالوسائل العادية......
وفى اول رحلة من رحلات الإستطلاع فى منطقة جبل علبة والذى يرتفع اكثر من ٢٠٠٠ متر عن سطح البحر بمساحة شاسعة وتنتشر بها سلاسل جبال أقل منه إرتفاعا وكذا مجموعات من التلال تتخللها وديان بها الأعشاب الصالحة للرعى .
شاهدنا على مرمى البصر فى أحد الوديان مجموعة من الرعاه حول بئر مياه ومجرد رؤيتهم للعربات العسكرية إنفضوا مذعورين وأختفوا خلف التلال تاركين الأغنام والأبل فى هرج ومرج شديد ... وأقتربنا من البئر فوجدنا رجل عجوز يتجاوز عمرة التسعين عاما لم يقوى على الفرار من المنطقة فأمرت العربات بالتوقف وعدم نزول أحد ونزلت للعجوز أهدئ من فزعه وعرض المساعدة وتقديم الطعام والعلاج .......... إلخ
ولكن الرجل ظل صامتا لايلتفت إلينا وكأنه ينتظر قرار الإعدام ... فأمرت القوة المرافقة بالنزول لدراسة المنطقة كمنطقة حيوية بها مصدر ماء ...... وجلست مع الرجل أحاول أكلمه و أداعبه دون فائده.
إلى أن حل توقيت صلاة الظهر فأشار أحد الجنود بإستخدام ماء البئر فى الوضوء فرفضت إستخدامه فهو أثمن ما يملكوه فى هذة الصحراء البعيدة. .وقمنا بالتيمم لأداء الصلاة ولم تحدد لنا البوصلة إتجاه القبلة لوجود الحديد بالصخور وعدم وضوح رؤية الشمس خلف الجبال الشاهقة ... وأخيرا نطق الشيخ بتصحيح القبلة وصلى جالسا معنا وبعد الصلاة سألته أخيرا سمعنا صوتك يا شيخنا فقال بصعوبة علشان أنتوا بتصلوا يعنى لا اخاف منكم ..وسأل بصعوبة بالغة من أين أنتم ومن أى بلد جئتم .... فقلت له نحن من مصر وهنا أنفرجت أساريره وبدا باسما بتجاعيده الكثير التى أغلقت عينيه وبقايا أسنان متفرقة فى فمه تهتز طربا للخبر السعيد وعمل إشارة بيده لم نفهمها ولكن وجدنا من فر من الرعاه حفاه بملابس رثة جدا تبين أكثر مما تخفى.. فقر مدقع ترثى له القلوب.... آتوا إلينا على إستحياء وفى أعينهم علامات الدهشة والخوف والحذر .... وجلسنا جميعا حول الشيخ ..... لنستمع إليه فقال خلاص أنا عرفتكم أنتم من عند جمال عبد الناصر .... دا حبيبى أنا حبيته من السمع عنه انا لم أراه ...و.... هو أخباره إيه....وهنا بدأ الإبتسامات من القوة المرافقة فأشرت بعدم الإفصاح عن شىء ..وأخذ الشيخ يسترسل فى ذكرياته عن الزعيم الراحل.. وأوصانى ان أسلم عليه ! ووعدته بنقل السلام وبدأنا نوزع عليهم الطعام ونفتح لهم المعلبات ووعدناهم بملابس جديدة بدلا من التى معهم وبدأنا فى الرحيل وإستئناف الرحلة فقمت قبلت يده ففعلت القوة المرافقة كذلك فقام الرجل واقفا بصعوبه وهتف يعيش الرئيس جمال عبد الناصر وردد الرعاه معه إلى أن أختفينا عن الأنظار .
وفى الوقفة التالية سألنى أحد الضباط يا أفندم لماذا لم تصارح الشيخ بموت جمال عبد الناصر فقلت له الشيخ هرم ورأيت عشقه للزعيم وصورته الذهنية فى عقله فآثرت أن تظل كما هى خوفا من وقع الصدمة عليه... فالأفضل أن يعيش أيامه الباقيه فى حلم رائع من أن يعيش فى حقيقة مؤلمة ليوم واحد.
وصارت كلمة السر جمال عبد الناصر نهتف بها فى تهدئة الرعاه فى أى موقع يفرون منه.
رحم الله الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بطلا عظيما حيا وميتا أسطورة البطولة والعروبة على مر الزمان.

إرسال تعليق

رياضة

فنون

تكنولوجيا

 
copyright © 2014 جريدة إرادة شعب مصر | تصدر عن مؤسسة إرادة شعب مصر